امدرمان انترنت

مركز ثقافي وسياسي وإعلامي سوداني


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

مونديال جنوب افريقيا .. دلالات المكان والزمان!!

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]





مونديال جنوب افريقيا ..
دلالات المكان والزمان!!


عرمان محمد احمد



كثير من المعاني الإنسانية، تنزلت علي كرة الأرض،خلال الأيام الماضية، في مهد نشأة الإنسان، افريقيا. كان ذلك في إحتفالية البطولة التاسعة عشر، لكأس العالم لكرة القدم، التي جرت في الفترة منالجمعة11يونيو الي الأحد 11يوليو2010، و جمعت في مدن جنوب افريقيا بين البيض والسود والملونين، من مختلف ارجاء المعمورة، و شهد مبارياتها عدد من النجوم العالميين والقادة والحكام، وتابع منافساتها مئات الملايين من البشر، عبر 208 قناة فضائية، نشطت مع شبكة الإنترنت، في بث مشاهد العرس الكروي العالمي، الذي اضاء سماء اقصي جنوب القارة السمراء، بالوان وصور زاهيات مثل قوس قزح.



لغة الفنون والرياضة والحرية

مكان وزمان المناسبة، حفل بالكثير من المعاني والدلالات الرياضية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية، بدءاً بمفاجاءات الخروج المبكر للفرق الكبري، التي خاضت غمار المنافسة، ودقة تنبؤءات الاخطبوط (بول) التي اضحت محل دراسة واهتمام الكثيرين في عدد من المجتمعات، و إنتهاء بتتويج منتخب اسبانيا ولأول مرة علي عرش البطولة العالمية، في نصر رياضي، شكل مدخلاً لإستعادة الثقة في الإقتصاد الأسباني، الذي تأثر بالأزمة المالية العالمية.

كما كانت البطولة محل اهتمام الساسة، بصورة لم يسبق لها مثيل خلال الثمانين عاماً الماضية. و قدرت عائدات الإتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) من تنظيم المونديال، بأكثر من ثلاثة مليار دولار، مما يعكس تعاظم دور (الفيفا) كلاعب مؤثر في الإقتصاد و السياسة الدولية المعاصرة. اما دولة جنوب افريقيا المضيفة، فتنتظر ان يضخ تنظيم المونديال علي اقتصادها اكثر من خمسة مليار دولار. ومنذ بداية المناسبة، اكد السويسري (جوزيف بلاتر) رئيس (الفيفا) علي (ضرورة استبعاد جميع الشكوك المتعلقة بالأمن) و قال: ( يجب أن نثق بإفريقيا. اتركوا إفريقيا تقوم بهذه المهمة وسترون أنها ستقوم بها على أكمل وجه) وقد كان. كما حرص بلاتر علي التأكيد على ان (كرة القدم توحد الشعوب ) وانها ( ليست مجرد لعبة) مؤكداً علي كلمات نيلسون مانديلا، إن هذا المونديال يمكنه توحيد الشعوب، وتغيير العالم، والتأسيس لمستقبل أفضل.



وعلي الصعيد الثقافي، تلاحمت في المناسبة، الموسيقي مع كرة القدم بأعتبارها لغات عالمية يفهمها غالبية الناس، ويتوحدون حولها. و تماهت في مهرجان كأس العالم هذه المرة،الرقصات الأفريقية التقليدية و ضربات الطبول، مع ضجيج آلة (الفوفوزيلا) الصاخب، و لوحات التشكيل المعبرة عن القارة الأفريقية، في تنوعها الثقافي وتمازجها العرقي، الذي اضحي من المكونات الإجتماعية الأساسية، لجنوب افريقيا الجديدة. كما اشتملت الملحمة الكرنفالية البهيجة، بملعب (أورلاندو) في مدينة سويتو، علي لمسة وفاء للفنانة الراحلة (مريم ماكيبا) حين صدحت المطربة الجنوب افريقية (ليرا) بأشهر أعمال الفنانة الراحلة، برفقة زوج (مريم ماكبا) عازف الجاز الشهير (هوج ماسيكيلا).



النظام العنصري كان يحاول منع اغنيات (مريم ماكبا) التي يرددها الأطفال و النساء والرجال في شوارع كيب تاون، وجوهانسبرج وسويتو وديربان وبروتوريا، وغيرها من مدن جنوب افريقيا، فضلاً عن تجريدها من جنسية جنوب افريقيا، في اجراء قابلته عدد من دول أفريقيا و العالم بمنح جنسيتها (الفخرية) للفنانة الراحلة، التي قال الزعيم الأفريقي (نيلسون مانديلا) ان اغنياتها كانت تلهمه الصبر والعزم علي مواصلة النضال. اما نشيد المونديال الرسمي الذي يبدأ بصلاة من اجل الحرية، فقد جعل الإفتتاحية، من اجمل افتتاحات كاس العالم:



اعطني الحرية... امنحني الطاقة...

اعطني الحكمة، وارتق بي الي الأعالي...
Give me freedom... Give me fire...
Give me reason, and take me higher




آصداء الماضي و آفاق المستقبل



تنظيم بطولة منافسات كأس العالم في جنوب افريقيا، كان من الأمورالمستحيلة، في زمن الفصل العنصري، الذي صنف الناس، بالقانون، الي بيض وسود وملونين. وحرم الغالبية العظمي من اهل البلاد وسكانها الأصليين، من حقوقهم الطبيعية، واذاقهم الواناً من الهوان، في ذات الوقت، الذي اثمر فيه تطور الوعي البشري ما عرف بـ(الإعلان العالمي لحقوق الأنسان) الذي صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948.



حصلت القارة الأفريقية، لأول مرة في تاريخ مباريات كأس العالم، التي بدأ تنظيمها في عام 1930، على حقها في استضافة المونديال،الذي كان بمثابة سيمفونية إنسانية، تناغم فيها إيقاع الحاضر مع اصداء الماضي وآفاق المستقبل، واستدعت أنغامها تاريخ طويل من نضال الشعوب الأفريقية المتطلعة للحرية والعدالة. لاسيما وان المناسبة واكبت الذكري السنوية، لتأسيس الحركة العالمية لمقاطعة نظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا، التي انطلقت عام1959 حين اجتمع في يونيو من ذاك العام، اكثر من خمسمائة شخص بقاعة (هولبورن) بمدينة لندن، ليعلنوا ميلاد الحركة. و قد خاطب شاب من الناشطين الأفارقة ذلك الجمع قائلاً:

(ايها الشعب الإنجليزي نحن لا نطلب منكم اي شي خاص، كل ما نطلبه هو ان تسحبوا دعمكم للفصل العنصري بعدم شراء بضائع جنوب افريقيا):

We are not asking you, the British people, for anything special. We are just asking you to withdraw your support from apartheid by not buying South African goods.

كان اقتصاد جنوب افريقيا وقتها، من اقوي اقتصادات العالم، و ياتي في المرتبة الثاتية بعد اليابان من حيث إرتفاع معدلات النموء. ولذلك فقد اعتبرت محاربة العنصرية عن طريق مقاطعة بضائع جنوب افريقيا، يوتوبيا حالمة، و قوبلت الدعوة حينها بالسخرية .

الشاب الأفريقي، الذي اطلق تلك الدعوة، كان اسمه (جويليوس نايريري) الذي يذكره التاريخ الأفريقي الحديث، كاحد الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 (الإتحاد الأفريقي) في الوقت الحاضر، وقد طالبت منظمة الوحدة الأفريقية، بفرض العقوبات علي جنوب افريقيا، وساعدت حركات التحرير المضادة للفصل العنصري. نيريري كان يقول(ان إيماننا بالوحدة ينبع من ايماننا بافريقيا نفسها) و قد تمكن من توحيد دولتين، افريقيتين هما (تنجانيقا وزنزبار) في اتحاد فيدرالي، عرف بجمهورية تنزانيا عام 1964، كما تمكن من الإحتفاظ بعلاقات متوزانة بين الشرق والغرب خلال الحرب الباردة. و قد برهنت دعوتة الي مقاطعة المنتجات والبضائع الواردة من جنوب افريقيا العنصرية، علي فعاليتها، وكانت النواة الأولي لجولات من الصراع الطويل والمستمر، بين حقوق الأفارقة و أباطيل العنصرية.

عمل نيريري علي تخليص بلاده من القبلية، وغيرها من أشكال التمييزالسلبي، و اولي عناية كبري لقضية المشاركة الشعبية، واستقطاب المثقفين في ادارة شئون الحكم، و اهتم بتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، لدرجة ان الجمعية العامة للأمم المتحدة، منحته لقب ( بطل العالم في العدالة الإجتماعية) ولم يتشبث (نيريري) بالسلطة شأن الكثيرين من القادة الأفارقة، بل تخلي طواعية عن رئاسة جمهورية تنزانيا، التي قام بـتأسيسها. و علي ذات الطريق، تبعه (نيسلون ما نديلاً) الذي تخلي طواعية عن رئاسة جنوب افريقيا، فاعقبه علي الرئاسة ثامبو امبيكي، ثم الرئيس الحالي لجنوب افريقيا، يعقوب زوما.

إستخدام سلاح المقاطعة للمنتجات التجارية، تطور كوسيلة فعالة للمقاومة المدنية السلمية، لنظام بريتوريا العنصرية، من الخارج. وقد شملت حركة المقاطعة المجالات الثقافية والرياضية والسياسية، وفي ذلك لعب المثقفون الفنانون والسياسيون، من مختلف انحاء العالم، ادوراً هامة، حتي أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم1761 لعام 1962 سياسة الفصل والتمييز العنصري، وحظر مجلس الأمن تصدير السلاح الي جنوب أفريقيا بموجب قراره رقم 418.

المقاطعة الرياضية، ساهمت ايضاً بقدر كبير في عزل جنوب افريقا العنصرية، ومنعها من المشاركة في العاب الأولمبياد منذ الستينات. كما اسهمت حملة المقاطعة الثقافية المضادة للفصل العنصري، في رفع الوعي وحشد الإدانة العالمية للتمييزالعرقي والفصل العنصري، ومن الأمثلة علي ذلك إعتراض رابطة كتاب بريطانيا، واتحاد الممثلين البريطانيين، على إقامة مسرحيات جنوب أفريقيا في بريطانيا، كما شملت المقاطعة الأفلام السينمائية، و المنتجات والبرامج التلفزيونية. ودعا عدد من الساسة وقادة العالم علانية الي أزاحة النظام العنصري.و من المقولات الشهيرة في ذكري مذبحة شاربفيل، التي اطلق فيها البوليس العنصري النار، علي السود المتظاهرين ضد العنصرية، مما ادي الي قتل وجرح المئات، مقولة رئيس وزراء السويد الراحل (أولوف بالمه) بأن النظام العنصري لا يمكن اصلاحه، او التفاهم معه وإنما يجب إستئصاله و اقتلاعه من الجذور. وقد توالت المقاطعة و الاحتجاجات في الخارج، و استمر التمرد، والإنتفاضات الشعبية في الداخلية، ضد نظام الفصل العرقي، الذي سبح طويلاً ضد تيار التاريخ، حتي غرق في مطالع التسعينات، وانتهت بنهايته اكبر عملية تزييف للديمقراطية في العالم المعاصر،تمثلت في حكم وتحكم اقلية عنصرية، لا يتعدي حجمها % 10 علي اغلبية % 90 من السكان الأصليين. و الآن تمكن البيض والسود والملونون، من مختلف ارجاء المعمورة، من الألتقاء علي سوح الأخوة الإنسانية، في مونديال جنوب افريقيا 2010.

نيلسون مانديلا، الذي اصبح رمزاً للحرية، والتسامح في العالم، قال في كتابه الشهير، رحلتي الطويلة في طريق الحرية: (عندما خرجت من السجن كانت مهمتي تتمثل في تحرير الظالم والمظلوم معًا. لقد مشيت في ذلك الطريق الطويل من أجل بلوغ الحرية. صحيح أنني في بعض الأحيان ارتكبت بعض الأخطاء في تقدير خطواتي، لكني اكتشفت سرًا مفاده أن المرء ما ان ينتهى من تسلق تل شامخ،حتي تبدو لناظريه تلال كثيرة في انتظار العبور). ومن التلال التي واجهت مانديلا ولم يتمكن هو و من اعقبه علي رئاسة جنوب افريقيا، من عبورها حتي اليوم، قضية العدالة الإجتماعية،ومشاكل المهمشين والفقراء، وارتفاع معدلات الجريمة والامراض. ولاتزال قضايا الإنسان الكبري في جنوب افريقيا في انتظار الحلول. و

مثلما يختلط و يتمازج السالب مع الموجب، اختلطت وتمازجت، في مونديال 2010 الأهداف الرياضية والثقافية، مع الأهداف التجارية الرأسمالية. ومثلما رعت المونديال الشركات العابرة القارات (كوكاكولا) و(اديداس) و(سوني) وغيرها، ارتفعت في المناسبة، شعارات تنموية مثل (كرة القدم من أجل الصحة) و (التعليم للجميع) واعلن المنظمون للمناسبة عن عزمهم علي توفير 75 مليون مقعد دراسي، في عدد من دول العالم. اما ختام البطولة فقد كان شعاره ( كرة القدم من أجل الأمل) وهي فكرة جديدة، تمثلت في اجراء منافسات بين فرق مكونة من ناشطين في منظمات المجتمع المدني، جاءوا من المناطق المهمشة والمحرومة حول العالم، كي يلعبوا كرة القدم بدون الإستعانة بحكام.وذلك بهدف تعلم تسوية الخلاف عبر الحوار داخل المستطيل الأخضر، ثم خارجه. و هكذا بعد المقاطعة الطويلة، فتحت المشاركة، الأفريقية الرياضية الحاضرة، آفاقاً لمستقبل افضل، عن طريق تفجير الطاقات الكامنة في كرة القدم، وتحويلها الي نشاط إنساني فعال يهدف إلى تبادل الآراء والأفكار والخبرات، بالإضافة الي إستخدام (الساحرة المستديره) كوسيلة للتغيير الإجتماعي والتنمية والديمقراطية،و من ثم تنزيل الكثير من المعاني السامية والأهداف والغايات الإنسانية النبيلة، علي واقع الكرة الأرضية.

عرمان محمد احمد
‏12‏/07‏/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى