امدرمان انترنت

مركز ثقافي وسياسي وإعلامي سوداني


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

عرمان محمد أحمد:السودان بين الديمقراطية الحقيقية وكلبتوقراطية الجماعة الحاكمة...السودان بين الديمقراطية الحقيقية وكلبتوقراطية الجماعة الحاكمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]



السودان بين الديمقراطية الحقيقية وكلبتوقراطية الجماعة الحاكمة



عرمان محمد أحمد

الكلبتوقراطية والديمقراطية نقيضان لا يجتمعان. فبينما تعرف الديمقراطية بأنها حكم الشعب، تعرف الكلبتوقراطية (Cleptocracy) بأنها حكم الحرامية (Rule by thieves). والكلبتوقراط نخبة من الساسة وكبار المسؤولين في الدولة، يستبيحون المال العام، ولا يؤمنون في قرارة أنفسهم بالديمقراطية، وان كان بعضهم يدعيها. والشعب من وجهة نظر الكلبتوقراط هو خادم الحكومة، بينما الديمقراطية الحقيقية تعني ان الحكومة هي خادمة الشعب. وفي ظل الديمقراطية الحقيقية لا تقتسم الثروة بين نخب وجماعات بعينها، وإنما تقتسم ثروات البلاد بصورة عادلة بين جميع المواطنين، ومن ثمة يكون لكل مواطن سهمه المستحق في الثروة الوطنية. كما تعني الديمقراطية الحقيقية، ان يكون المواطن المحكوم هو الحاكم الحقيقي. بمعني ان الحكام وكلاء واجراء واجبهم الأساسي خدمة مصالح المواطن، لأن المواطن هو الذي يعينهم ويحاسبهم ويعزلهم عن طريق الاستخدام الواعي والمستنير لورقة الاقتراع.

الفساد المالي والإداري

ومن أغرب مظاهر الكلبتوقراطية في السودان، ما ورد في تقرير المراجع العام الأخير، عن رفض القائمين علي عدد كبير من المؤسسات الرسمية، مراجعة حسابات هذه المؤسسات بواسطة المراجع العام، في تجاوز وتحد صارخ لأحكام قانون المراجع العام والمادة (205) من دستور نيفاشا الانتقالي التي تنص علي: يقوم ديوان المراجعة القومي بمراجعة حسابات الأجهزة التنفيذية القومية والهيئة التشريعية القومية والسلطة القضائية القومية، إلي جانب حسابات الولايات الشمالية والمؤسسات والهيئات والشركات العامة وأي مؤسسة أخري يحددها القانون . ولم تتخذ الحكومة حتي الآن الإجراءات القانونية اللازمة لمواجهة هذا الفساد الكبير والخطير. بيد انه من غير المستبعد تكوين لجنة تحقيق فيما بعد، بهدف تهدئة وتخدير الرأي العام، وصرف الأنظار عن مثل هذه القضايا. وربما تلجأ الجماعة الحاكمة، كما جرت العادة، إلي عقد مؤتمرات لمناقشة هذا الفساد الوبائي، تشكل علي أثرها بعض لجان تسويفية صورية، أو تؤسس بناء علي توصيات هذه المؤتمرات (مفوضية) جديدة، ومن بعد ذلك يوظف عدد من أباطرة الجماعة الحاكمة في (المفوضية) بمرتبات ومخصصات كبيرة، كي يعملوا علي معالجة هذا الفساد بمزيد من الفساد!
وإذا كانت سيادة حكم القانون هي أساس الديمقراطية، فإن الكلبتوقراطية تنبع أساساً من عدم احترام الدستور وتجاوز القوانين ومخالفتها وخرقها بواسطة من يفترض انهم حراس القانون. ولقد عم الفساد المالي والإداري الوبائي الآن كل المؤسسات التي تسيطر عليها الجماعة الحاكمة، مثل ديوان الزكاة، وصندوق المعاشات، وصندوق دعم الطلاب، ومؤسسة الاتصالات، ومؤسسة الأسواق الحرة، والمؤسسات الاستثمارية التابعة للجيش والشرطة والأجهزة الأمنية، وغيرها من المؤسسات. ويقدر حجم الفساد الناجم عن مخالفات النظام المصرفي بـنحو 1000000000000 جنيه (تريلون جنيه سوداني). وهذا الفساد الكبير والخطير، إنما هو محصلة طبيعية للفساد السياسي، ويقتضي شيئا واحدا، هو استقالة او إقالة المسؤولين في امبراطورية (الإنقاذ الوطني) من قمتهم إلي قاعدتهم، وتقديمهم للمساءلة والمحاسبة والمحاكمة العادلة.

النموء الإقتصادي والظلم الإجتماعي


عائدات البترول في السودان خلال العشر سنوات الماضية 1998 ـ 2008 كان من الممكن ان تبلغ اضعاف عائداته المعلن عنها في الوقت الحاضر، لولا الكلبتوقراطية في التعاقدات البترولية الحالية. كونها تعاقدات ابرمت في غياب الديمقراطية والشفافية، واكتنفها الكثير من الغموض والسرية. وعلي الرغم من ان النمو الاقتصادي بلغ 8.3% نسبة للزيادة العالمية في أسعار البترول، الا ان هذا النمو لم ينعكس علي حياة المواطن السوداني البسيط. ومن أبرز مظاهر الظلم الاجتماعي، إنفاق الجماعة الحاكمة اموال الشعب السوداني بغير حساب، علي الاحتفالات والمظاهر البذخية، وإقامة حفلات التكريم العجيب لكوادرها، في حين تتولي الكنائس ومنظمات الإغاثة الغربية إطعام بني جلدتهم، وأهل ملتهم من المسلمين وأطفالهم الجياع، في دارفور. حيث تشير تقارير منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونسيف) ومنظمة الزراعة والاغذية العالمية (الفاو) وبرنامج الأغذية العالمي، الصادرة في نهاية عام 2007 إلي ازدياد معاناة أطفال دارفور من سوء التغذية الحاد، وتعدي معدل سوء التغذية لهؤلاء الأطفال حد الطوارئ الذي تحدده منظمة الصحة العالمية بنحو 15% وتصل معدلات سوء التغذية في شمال دارفور إلي 20% مقارنة مع المناطق الأخري.

نظام الانتخابات المختلط


تحاول الجماعة الحاكمة في الخرطوم، ان تدعو هذه الأيام لمؤتمر جامع بعد تمرير مسودة قانون الانتخابات لسنة 2007 التي بنيت علي ما أسموه نظام الانتخابات (المختلط) كما تكثر هذه الجماعة من الحديث الماكر عن (الوفاق الوطني) بهدف استدراج القوي السياسية، كي لا تقاطع الانتخابات، وحتي تبدو الانتخابات وكأنها انتخابات حقيقية وشرعية، لأن مقاطعة الانتخابات ستفقد حكومة الإنقاذ (المنتخبة) شرعيتها الزائفة. ولذلك تحاول الجماعة الحاكمة جاهدة دفع بعض قادة الأحزاب الكبيرة لقبول فكرة الترشيح، في انتخابات رئاسة الجمهورية، فإذا ما وقعوا في هذا الفخ، استخدمت آليات وميكانيزمات قانون الانتخاب المقترح لهزيمتهم هزيمة قاسية. وفي سبيل هذا (الوفاق الوطني) درجت الجماعة الحاكمة علي تشكيل عدة لجان موسمية، مثل لجنة (جمع الصف الوطني) ولجنة (الحكماء) بزعمهم، وغيرها من اللجان التي يجري فيها تطعيم كوادر الجماعة القديمة بوجوه انتهازية، مع رشوة بعض أعضاء هذه اللجان بالأموال والمخصصات الكبيرة، وتحريكهم من حين إلي آخر، مثلما تحرك دمي الأطفال في مسرح العرائس.
وعلي الرغم من ان دستور نيفاشا الانتقالي، تضمن من الناحية النظرية، مواثيق حقوق الإنسان الدولية، ونص علي كفالة حريات وحقوق المواطن، الإ ان المواطنين السودانيين تعرضوا في ظل هذا الدستور إلي التقتيل والتعذيب، في قري دارفور والجنوب وفي امري وكجبار وبورتسودان والخرطوم وغيرها، كما تعرضوا وما زالوا يتعرضون إلي الاعتقالات المشفوعة بمسرحية إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، عن طريق العفو الرئاسي، بالإضافة إلي التعدي علي حرية الصحافة والصحافيين، وغير ذلك من صور خرق الدستور والقانون المشهودة خلال السنوات الماضية. ومسودة قانون الانتخابات تتيح الفرصة للجماعة الحاكمة، لاصطناع وفبركة الأسباب التي تؤدي لألغاء نتيجة الانتخابات كلياً او جزئياً، مثلما كانوا يفعلون في انتخابات النقابات والاتحادات. ووفقاً لأحكام مسودة القانون يمكن تأجيل الانتخابات بواسطة المفوضية، كما يمكن إلغاء نتيجة الانتخابات، بواسطة المحكمة العليا القومية، فماذا ينتظر من جماعة (الإنقاذ) ان يفعلوا إذا ما هزموا في انتخابات تجري في غياب استقلال القضاء وسيادة حكم القانون؟

المفوضية والسجل الانتخابي

مفوضية الانتخابات تعين بواسطة رئيس المؤتمر الوطني (رئيس الجمهورية) بموجب مسودة القانون المشار اليها، وتعين لجنة المفوضية أمانة عامة، تعمل مع رئيس المفوضية او بعض أعضائها لأداء وتنفيذ الكثير من المهام، كما تعين المفوضية اللجنة العليا وكبير ضباط الانتخابات في كل ولاية، وهذا الوضع يتيح لشيطان التفاصيل الكامن في سلطات المفوضية التقديرية الواسعة، وصلاحياتها في وضع القواعد، بموجب مسودة القانون، فرص التلاعب في نتيجة أية انتخابات. اما اشتراط مسودة القانون استقلال وحياد وشفافية وتجرد اعضاء المفوضية، وعدم انتمائهم للأحزاب، فلا عبرة به علي الإطلاق. وما ذاك الا لأن السودانيين قد خبروا (حياد) هذه الجماعة المجربة. ألم تتسربل فئة قليلة من الضباط، بثياب الحياد، وتتغلف بغلاف استقلالية القوات المسلحة عن العمل الحزبي، حين انقلبت الجماعة الحاكمة علي الحكم الديمقراطي عام 1989 ثم تبين بعد فوات الأوان، ان اولئك الضباط لم يكونوا سوي كوادر سرية تابعة لتنظيم الجبهة الإسلامية؟!

ان السجل الانتخابي يمكن استعماله كأداة لتزوير الانتخابات وتزييف إرادة المواطنين. ومن أجل ذلك فقد حرصت الدول الديمقراطية العريقة، علي ان يكون التسجيل للانتخابات إجبارياً، بينما تقع علي الدولة مسؤولية تسهيل وتيسير عملية إدراج كل المواطنين الذين يحق لهم التصويت في السجل الانتخابي. وذلك بتوفير استمارات التسجيل، وإلزام المواطن قانوناً بتقديم البيانات المطلوبة في السجل، ومراجعتها وتحديثها بصورة صحيحة، من وقت لآخر. اما التصويت والترشيح فعادة ما يكون اختيارياً. والتسجيل للانتخابات إنما هو من الخدمات الأساسية التي ينبغي ان تقدمها الدولة للمواطن، لضمان حقه الدستوري في الترشيح والتصويت. لكن مسودة قانون الانتخابات لسنة 2007 أعفت الدولة من مسؤوليتها في تسجيل المواطنين للانتخابات. ولحاجة في نفس يعقوب جعلت المسودة، مسؤولية التسجيل للانتخابات (مسؤولية فردية) تقع علي عاتق المواطن المغلوب علي امره. وحصرت المسودة دور مفوضية الانتخابات في قبول واستبعاد الناخبين من السجل الانتخابي، والنظر في الطعون ضد المرشحين والناخبين، واتخاذ إجراءات كثيرة في هذا الصدد يمكن ان تفتح باب التزوير علي مصراعيه.

تمثيل المرأة خدعة كبري

ان إجراء أية انتخابات في ظل الكلبتوقراطية الحاضرة، لا يعدو ان يكون تحصيل حاصل. والخدعة الكبري التي تحاول الجماعة الحاكمة تمريرها من خلال مسودة قانون انتخاباتها المقترح، هي تمثيل المرأة بنسبة 25 % ليصبح عدد المقاعد النسائية في المجلس التشريعي القومي 112 من اصل 450 مقعدا. وكل الشواهد تشير في الظروف الراهنة، إلي ان هذه النسبة مفصلة علي مقاس (الكادر النسائي) لجماعة المؤتمر الوطني. واذا كانت هذه الجماعة قد انقلبت ذات يوم، باسم الجيش السوداني، علي الديمقراطية نفسها، فانها تسعي الآن لتزييف الديمقراطية، وتكريس قبضتها الكلبتوقراطية علي السلطة، من جديد، باسم المرأة السودانية.
ومسودة قانون الانتخابات اشترطت كذلك تزكية المرشحين لمناصب رئيس الجمهورية، ورئيس حكومة الجنوب، والولاة، واعضاء المجالس التشريعية، بواسطة مئات الأشخاص من مختلف الولايات، كما اشترطت ان يدفع كل من يترشح لهذه المناصب غرامة مالية إذا لم يوفق في الحصول علي نسبة 10% من أصوات الناخبين. فما مدي ديمقراطية ودستورية مثل هذا التشريع؟

ثم ان تمثيل القوائم الحزبية في البرلمان بـنسبة 15 % حسبما جاء في مسودة القانون، يمكن الجماعة الحاكمة من صناعة احزاب (إسلامية) إضافة للأحزاب المتحالفة معها، وحشر أعضائها ضمن الـ 68 مقعدا التي وفرها النظام (المختلط) للقوائم الحزبية، بهدف الإبقاء علي الوضع الراهن كما هو. وقد اوكلت مسودة القانون للمفوضية صلاحية ترسيم الحدود الجغرافية، للدوائر الانتخابية بعد ان حددت عدد الدوائر الجغرافية بـ270 مقعدا. والغرض من إصرار الجماعة الحاكمة، علي إبقاء الطبخة التشريعية لقانون الانتخابات بالمقادير المذكورة، هو خصخصة نسبة 52% علي
الأقل من كعكة السلطة، لصالح جماعة المؤتمر الوطني، كما هي الحال الحاضرة، وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا!

الديمقراطية الحقيقية والتمويل من الغيب!

وفيما يتعلق بالشفافية في تمويل الحملات الانتخابية، وتكافؤ الفرص في أجهزة الإعلام الرسمية بين المرشحين.. الخ. لا يعول بطبيعة الحال، علي النصوص النظرية الواردة في مسودة قانون الانتخابات. وقد أجري التلفزيون الخاضع لسيطرة الجماعة العقائدية الحاكمة، في إحدي حلقات برنامج (الخط الساخن) مقابلة مع نائب رئيس المؤتمر الوطني للشؤون السياسية والتنظيمية، سئل فيها عن مصادر تمويل حزب المؤتمر الوطني، فقال بصلف: ان الله رزق المؤتمر الوطني مثلما رزق (مريم) وتلا من سورة آل عمران قوله تعالي (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا. قال يا مريم أني لك هذا قالت هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب)، وهي إجابة تتحدث عن نفسها، بالطبع، وتكشف عن مدي (شفافية) امراء جماعة المؤتمر الوطني، كما تؤكد أن التحول المرتجي علي ايدي هؤلاء لا علاقة له بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد. والا فمن يصدق زعم هذا المسؤول الثيوقراطي، بان تمويل جماعته الغارقة في مستنقع الفساد يأتي من الغيب، بغير حساب؟! ان الدين براء، بطبيعة الحال، من هذا الهوس. وما ذكر عن خرق الدستور والقانون، وتبني الأفكار والشعارات البراقة، بهدف تزييفها وافراغها من محتواها، مدعاة للتشكيك والطعن في نزاهة أية انتخابات، تجري علي أيدي هذه الجماعة العقائدية. وبالطبع لا يمكن ان تحصل هذه الجماعة علي ثقة المواطن السوداني، في اية انتخابات ديمقراطية نزيهة، تجري بواسطة أداة حكم مستنيرة وعادلة.
خلاصة القول هي ان سوابق الجماعة الحاكمة، في تزوير الانتخابات، وخرق القانون والنظام العام، والعنف بالخصوم السياسيين، والانقلاب علي الديمقراطية، وانتهاك حقوق الانسان، تدعو للشك وتثير التساؤلات حول جدوي أية انتخابات، تجري علي أيدي هؤلاء الكلبتوقراط. فإذا قيل ان تنفيذ اتفاقيات منتجعات مشاكوس ونيفاشا، يقتضي إجراء انتخابات باي حال، قلنا ان ما تشهده كينيا نفسها اليوم، من عنف واقتتال واضطرابات وعدم استقرار، بسبب التلاعب والتزوير في الانتخابات، يقف شاهداً علي عدم جدوي مثل هذه الانتخابات، حتي لو تمت تحت مراقبة دولية!!
عرمان محمد أحمد
فبراير2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى